ماذا لو كنت وحدك؟
بدأت «دروب الحروف» كلعبة عائلية، مجموعة من الناس يجلسون حول لوحة سداسية، أمامهم حروف وأسئلة، وكل واحد منهم يحاول إثبات أنه يعرف أكثر من البقية (أو على الأقل يعرف الإجابة قبل ابن أخيه ذي الاثني عشر عامًا).
كان الأمر بسيطًا: سؤال، حرف، إجابة، ثم شخص يحتفل بانتصاره، وآخر يعترض على السؤال، وثالث يؤكد أنه كان يعرف الإجابة «لكنها كانت على طرف لسانه».
وهكذا بدأت اللعبة، وهكذا كان من المفترض أن تبقى.
لكن ظهرت أمامنا مشكلة صغيرة جدًا بسبب سؤال صغير جدًا:
ماذا لو كنت وحدك؟
لا عائلة حولك، ولا منافس يحاول الوصول إلى الإجابة قبلك، ولا أحد تستطيع أن تتهمه بالغش. أمامك أكثر من 2000 سؤال وبنك كامل من الحروف... فماذا ستفعل بها؟
في البداية اعتقدنا أن الحل واضح: نعرض الأسئلة واحدًا تلو الآخر، ونحسب عدد الإجابات الصحيحة.
فعلنا ذلك.
ثم جرّبناه.
ثم أغلقناه في اليوم نفسه.
اتضح أن الإنسان عندما يكون وحده لا يحتاج إلى نسخة حزينة من المسابقة الجماعية، وإنما يحتاج إلى سبب يجعله يستمر. يحتاج إلى أن يعرف أين هو؟ وإلى أين سيذهب؟ وهل أصبح اليوم أفضل فعلًا مما كان عليه بالأمس؟
باختصار، لم يكن يحتاج إلى منافس.
كان يحتاج إلى درب.
من لعبة إلى منهج
عندما تبدأ بتطوير لعبة، من السهل أن تنجرف خلف الأشياء الممتعة: الألوان، النقاط، المؤثرات، المراحل، الشارات، والنجوم التي تنفجر على الشاشة عندما تجيب إجابة صحيحة (لأننا على ما يبدو لا نستطيع اليوم إنجاز أي شيء دون أن تهنئنا الشاشة!).
لكننا قررنا أن نعكس المعادلة.
المنهج أولًا، واللعبة تأتي بعده.
فتحول كل عالم من عوالم «دروب الحروف» إلى مقرر، وكل مستوى صعوبة إلى قسم، وكل فئة إلى وحدة، ثم أصبح كل درس يحتوي على أربع معلومات تقريبًا يمكن تعلمها خلال أربع دقائق.
تتعرّف على المعلومة أولًا، ثم تختارها، ثم تطابقها، وفي النهاية نزيل عنك عجلات التدريب الصغيرة ونطلب منك كتابتها من الذاكرة.
إذا استطعت استرجاع ثلاث معلومات من أصل أربع، تستطيع المضي قدمًا.
لكن هنا ظهرت مشكلة أخرى.
من قال إن المعلومة التي أجبت عنها اليوم ستبقى معك غدًا؟
لماذا ننسى ما نعرفه؟
هل سبق أن قرأت كتابًا رائعًا، ثم سألك أحدهم عنه بعد شهر، فلم تستطع تذكر سوى لون الغلاف؟
أنا فعلت.
المشكلة أن التعرّف على المعلومة ليس هو نفسه استرجاعها. تستطيع أن تنظر إلى الإجابة وتقول: «طبعًا! كنت أعرفها»، لكن حاول أن تستخرجها من رأسك دون أن تراها، وهنا تبدأ المشكلة.
لذلك أصبح ما تتعلمه يعود إليك بعد يوم، ثم ثلاثة أيام، ثم سبعة، ثم أربعة عشر، ثم ثلاثين يومًا.
فالمعلومة التي لا نحاول الوصول إليها، يختفي الطريق المؤدي إليها تدريجيًا.
ومن هنا بدأنا نتساءل: ماذا لو استطعنا جعل الحفظ نفسه أكثر متعة؟
اخترنا عشرين عالمًا مسلمًا، وقررنا بناء تجربة مختلفة تمامًا لحفظهم.
قصر ذاكرة، غرف من خمسة أشخاص، كل اسم يتحول إلى صورة، وكل إنجاز إلى حركة يمكن تنفيذها بيد واحدة، وكل قرن إلى شكل، ولكل غرفة أنشودة مقفّاة تساعدك على استرجاع ما فيها.
ووضعنا لأنفسنا وعدًا واضحًا:
إذا لم تستطع في نهاية المسار تسمية 18 عالمًا من أصل 20 من ذاكرتك، فالتجربة لم تنجح.
كان كل شيء يسير كما توقعنا تقريبًا.
إلى أن اكتشفنا أننا نبحث عن المشكلة الخطأ.
المشكلة لم تكن في المعرفة
جرّبنا اللعبة على الكبار.
أقصد ذلك الجيل الذي كان يحفظ أرقام هواتف أصدقائه وأقاربه، ورقم المنزل، ورقم مكتب والده، وربما رقم البقالة أيضًا، قبل أن يأتي الهاتف الذكي ويقرر أن ذاكرتنا لديها أشياء أهم تقوم بها.
طرحنا أسئلة سهلة.
وكان الناس يعرفون الإجابات.
لكنهم... كانوا بطيئين.
نسأل عن عاصمة يعرفها الشخص منذ الصف الرابع، فيصمت قليلًا، ينظر إلى الأعلى وكأن الإجابة مكتوبة في السقف، ثم يقول:
«لحظة... أعرفها!»
وبعد ثلاث ثوانٍ تخرج الإجابة.
لم تختف المعلومة.
كانت هناك.
لكن الطريق إليها أصبح أطول.
ثم لاحظنا شيئًا آخر أكثر إثارة للاهتمام.
هناك أشياء نستخدمها كل يوم، لكن أسماءها العربية بدأت تختفي من أفواهنا. أصبح الجهاز اللوحي «تابلت»، والكاميرا الصغيرة «ويب كام»، وشريط المونتاج «تايم لاين».
نحن نعرف الشيء، ونستخدمه، وربما نملكه منذ سنوات.
لكننا فقدنا اسمه.
عندها قررنا مراجعة 180 سؤالًا يدويًا، سؤالًا سؤالًا. أبقينا 76 سؤالًا كما هي، وعدّلنا 65، واستبدلنا 39 سؤالًا بالكامل.
لماذا؟
لأن بعض الأسئلة كانت صحيحة تمامًا على الورق، لكنها لم تعد صحيحة في رؤوس الناس.
قد يكون للمصطلح اسم عربي فصيح لا يستخدمه أحد، أو قد يبدأ الاسم بحرف مختلف حسب الشخص الذي تسأله، وفي لعبة مبنية أصلًا على الحروف، تصبح هذه التفاصيل الصغيرة مشكلة كبيرة.
وهنا تغيّر السؤال كله.
ماذا لو لم تكن مشكلتنا أننا لا نعرف؟
ماذا لو كنا نعرف... لكننا لم نعد نستطيع الوصول بسهولة إلى ما نعرفه؟
على طرف لساني
هناك فرق كبير بين جملتين:
«لا أعرف».
و:
«أعرفها... على طرف لساني!»
الأولى تعني أنك تحتاج إلى أن تتعلم شيئًا جديدًا.
أما الثانية، فتعني أن المعلومة موجودة أصلًا، لكن الدرب المؤدي إليها بدأ يُطمس.
وهذه كانت الفكرة التي غيرت المشروع بالنسبة لنا.
لم نعد نريد فقط أن نعرف مقدار معرفتك، بل أين أصبحت الطرق داخل ذاكرتك أقل وضوحًا.
فبنينا تجربة قصيرة لا تحتاج أكثر من ثلاث دقائق.
ثمانية عوالم، وفي كل عالم تبدأ بسؤال متوسط، ثم تصعد تدريجيًا حتى تتعثر.
وعندما تخطئ، لا نسارع إلى إظهار الإجابة لك.
نسألك أولًا:
هل كانت على طرف لسانك؟
لأن هذا السؤال الصغير يخبرنا بشيء أكبر بكثير من «صح» أو «خطأ».
ثم تظهر نتيجتك على هيئة نجمة من ثمانية رؤوس، يمثل كل رأس منها عالمًا، وطوله يمثل مقدار عمقك فيه، بينما تكشف شفافيته مقدار ما طُمس من الطريق.
وإذا لم تعرف شيئًا؟
تحصل على صفر.
نعم، صفر حقيقي.
لا توجد نجمة مشاركة لأنك حاولت، ولا عشر نقاط لأنك ضغطت الزر بطريقة جميلة.
ثم بدأ الواقع يفسد خططنا الجميلة
من الأشياء التي تعلمتها في المشاريع أن الفكرة تبدو عبقرية جدًا عندما تكون داخل رأسك.
ثم يأتي المستخدم.
في البداية رسمنا شجرة مهارات كاملة لكل العوالم، وكانت جميلة ومغرية، ثم أدركنا أننا نبني مدينة كاملة قبل أن نتأكد أن أحدًا يريد السكن فيها.
فأخفيناها.
تجربة واحدة تثبت فرضية واحدة أولًا.
ثم اكتشفنا أن الدرس الأول سهل جدًا على الكبار. كلمات مثل «أذن» و«بطريق» لن تجعل شخصًا بالغًا يشعر بأنه جاء لاختبار ذاكرته، بل ربما تجعله يشك أننا أخطأنا في تسجيل عمره.
فأضفنا خيار «حدّد مستواي»، مجموعة صغيرة من الأسئلة تتكيف مع مستواك وتتجاوز الأشياء التي تعرفها أصلًا.
ثم واجهتنا مشكلة المراجعة.
كنا نطلب منك العودة بعد أربع وعشرين ساعة بالضبط. فإذا درست الساعة التاسعة مساءً وفتحت اللعبة صباح اليوم التالي، لن تجد شيئًا.
من الناحية الحسابية، النظام على حق.
ومن الناحية الإنسانية، النظام غبي.
فغيّرنا الموعد إلى الرابعة فجر اليوم التالي.
ثم كانت هناك أسئلة تتحرك داخل المنهج فتضيع معها نتائج اللاعب، فجعلنا لكل درس بصمة مرتبطة بمحتواه، لا بمكانه.
وكان لدينا تسعة عوالم، ثم اكتشفنا أن أحدها لا يستحق أن يكون عالمًا أصلًا. فأعدنا توزيع 381 سؤالًا على أماكنها الطبيعية.
ثم لاحظنا أن الإجابة تحتاج ضغطتين.
لماذا ضغطتين إذا كانت واحدة تكفي؟
فأصبح الجواب الصحيح يخضرّ وينتقل وحده، والخطأ يسألك عن «الطمس» ثم يكمل.
حتى المشاركة اكتشفنا أننا نفكر فيها بالطريقة الخطأ. بطاقة جميلة تستطيع تحميلها لا تعني أن أحدًا سيشاركها، فالناس يشاركون الروابط والكلمات قبل أن يفكروا في حفظ صورة والبحث عنها وإرسالها.
والأطرف من كل ذلك أن النص نفسه أصبح تجربة.
نكتب نسختين للشاشة الأولى، يرى نصف الناس الأولى، ويرى النصف الآخر الثانية.
ثم نترك الأرقام تحسم الخلاف بدلًا منا.
(وهذا مفيد جدًا عندما يكون الجميع مقتنعًا أن نسخته هي الأجمل).
ما الذي نحاول إنقاذه فعلًا؟
بدأ المشروع بسؤال بسيط:
ماذا يفعل لاعب «دروب الحروف» إذا كان وحده؟
وانتهينا أمام سؤال مختلف تمامًا:
ماذا يحدث عندما تبدأ البديهيات التي نعرفها منذ طفولتنا بالاختفاء؟
ربما لم نفقد المعرفة نفسها.
ربما فقدنا فقط القدرة على استدعائها بسرعة.
وربما هناك كلمات عربية كانت يومًا طبيعية في أفواهنا، ثم بدأ الرمل يغطيها قليلًا، حتى أصبح الطريق إليها أصعب، ثم توقفنا عن استخدامه تمامًا.
الذاكرة تشبه الدرب في الصحراء.
لا يكفي أن تمشي فيه مرة واحدة وتضع لوحة تقول: «لقد مررت من هنا».
كل مرة تمشي فيها يصبح أوضح.
وكل يوم تتركه، تعيد الريح شيئًا من الرمل إلى مكانه.
وهذا ربما هو الشيء الذي نحاول القيام به في «دروب الحروف».
لسنا نحاول أن نملأ رأسك بالمعلومات بقدر ما نحاول أن نعيد فتح الطرق المؤدية إلى الأشياء الموجودة فيه أصلًا.
فماذا لو كنت وحدك؟
ربما تكون هذه المرة في المكان المناسب تمامًا.
ثلاث دقائق فقط قد تكون كافية لتعرف أي الدروب في ذاكرتك لا تزال واضحة... وأيها بدأ الرمل يغطيها.